يتعرض الحق في حرية التعبير –عموما- وحرية الصحافة -خصوصا- باعتبارها أهم تمظهراته وأبرز تطبيقاته للعديد من الانتهاكات المتزايدة في اليمن؛ حيث تتداخل أسبابها بين المعطيات الموضوعية الخاصة بالتنظيم التشريعي للحق، وضمانات حمايته، والظروف الواقعية المترتبة على النزاع المسلح، الأمر الذي لا يعيق ممارسة حق التعبيرفقط، بل يفوت الغاية من إقراره، وكذلك يصعبً من الإمكانات المتاحة للدفاع عنه، في ظل التزايد المضطرد للانتهاكات المتفاوتة من حيث المظاهر ومن حيث درجة الجسامة .
ويتخذ الدفاع عن حرية التعبير والصحافة العديد من المقاربات الاجتماعية والسياسية والإعلامية، وتأخذ هذه الدراسة بالمقاربة القانونية التي تعتمد المنهج التحليلي النقدي للنصوص التشريعية والتطبيقية للأحكام القضائية؛ حيث تتناول الموضوع من زاوية نقدية تقوم على تشخيص المعوقات الرئيسية للدفاع عن الحق وسبل حمايته من خلال محورين أساسيين: يتمثل الأول في التحديات الموضوعية الناتجة عن قصور النصوص التشريعية المؤطرة لحق التعبير والصحافة، ويتمثل الثاني في التحديات العملية التي يفرضها عجز القضاء عن توافر الضمانات اللازمة التي تتطلبها آليات الدفاع القانونية عن حرية التعبير.
ويؤطر التشريع اليمني حق التعبير من خلال النص الدستوري وبعض القوانين ذات الصلة المباشرة والغير مباشرة بالحق في التعبير، إضافة إلى بعض الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها اليمن.
وهذه المنظومة التشريعية مع تعددها إلا أنها ما تزال تعاني الكثير من جوانب القصور الذي يتخذ صورتين هما: القصور الحقيقي التام )الفراغ التشريعي( في حالة عدم وجود النص، أو القصور الحقيقي الجزئي )النقص التشريعي( في حالة عدم كفاية النص، أو خلل الصياغة التشريعية.
وكذلك القصور المزيف )القصور الغائي( في حالة وجود النص الذي لم يعد يتناسب مع الواقع ولا يحقق غاية القانون، ولذلك لا بد من تعديل النص وتطويره في الحالتين، وهذا القصور التشريعي الذي كان محلا لمطالب الإصلاحات المتعددة التي نادت بها بعض القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني، أصبح الآن أكثر إلحاحا بعد أن تسبب في زيادة الانتهاكات، خاصة وأن تفعيل منظومة الدفاع عن الحق في التعبير والصحافة مرتبط واقعياً بالقضاء، على اعتبار أنه حامي الحقوق والحريات والقائم على ضمان ممارستها .
وبما أن القاضي الكامل يدرأ باجتهاده الخلاق قصور التشريع ما استطاع، إلا أن القضاء ليس منبت الصلة عن الواقع بل يحتاج إلى تفعيل العديد من الضمانات الجوهرية للقيام بمهمته في تحقيق الحماية اللازمة للحق في التعبير ،وتتنوع بين ضمانات تتعلق بالهياكل البنيوية للقضاء باعتباره سلطة لا بد أن تتوافر لها مقومات الاستقلالية الموضوعية في مواجهة بقية السلطات والاستقلالية الذاتية في إطار المؤسسة القضائية والحياد في مواجهة النفس على المستوى الشخصي للقضاة، إضافة إلى الضمانات التي تتعلق بالمحاكمة ذاتها التي يلزم فيها القضاة على تجسيد واجبهم الرئيسي في حماية الحقوق والحريات على مرحلتين:
الأولى السابقة على المحاكمة التي تشمل ضمان حماية الشخص من أي انتهاك قد يتعرض له ضحايا حق التعبير والصحافة منذ لحظة استدعاء الشخص أو إيقافه أو الإبلاغ عن فقدانه، والوقوف على مشروعية الإجراءات كافة التي قد تتخذ ضده من قبل مأموري الضبط أو أي من الجهات الأمنية وإحالته إلى النيابة العامة تمهيدا لبدء مرحلة المحاكمة التي يلزم فيها القضاء باحترام إجراءات المحاكمة العادلة كافة، ويضمن للمتهم حقوق الدفاع كافةوتوصلت الدراسة إلى العديد من النتائج سواء منها ما يتعلق بالإطار التشريعي المتهالك المنظم للحق في التعبير والصحافة والذي يعاني القصور الكلي )الفراغ التشريعي( الذي يتجسد في عدم وجود نصوص تنظم الإعلام الرقمي أو الإعلام المرئي والمسموع، والقصور الجزئي في بعض القوانين المرتبطة بالحق ومنها قانون الحق الفكري وقانون المظاهرات وقانون الاتصالات ..إلخ، وخلل الصياغة التشريعية في بعض النصوص التجريمية المرتبطة بالحق سواء الواردة في القانون الموضوعي العام أم القوانين الخاصة، والقصور الغائي الذي يتجلى في نصوص قانون الصحافة والمطبوعات واللوائح المرتبطة به الذي لم يعد يستجيب للواقع الذي تجاوزه من عدة أبعاد في الزمن والوقائع، وخاصة مع وجود العديد من المشاريع لاستبداله، مما يؤكد إجماع السلطة والقوى السياسية على عدم قدرته على التعاطي مع غايات القانون وواقع الصحافة.
وفيما يتعلق بالمعطى العملي لحرية التعبير والصحافة؛ فإنها تتعرض لانتهاكات جسيمة من قبل السلطة وخصوصا سلطة الأمر الواقع في صنعاء )جماعة الحوثي(، والتي أحكمت الخناق على المجتمع ومنعت كل تعبير مخالف لتوجهها الأوحد، ويتجلى ذلك من خلال التقارير الحقوقية والدولية والميدانية لضحايا الانتهاكات؛ فمن خلال الأحكام القضائية الصادرة في حق بعض الصحافيين والمعارضين سياسيا أو فكريا للجماعة منذ) 2015(، يتضح بشاعة الإجراءات المرتكبة في حق الضحايا بدءا من تاريخ القبض، أو الاختطاف، أو الإخفاء القسري والتي استمرت في حق بعضهم لسنين، في حين أن القانون يشترط أن لا تتجاوز) 24 (ساعة، ثم تحال إلى النيابة، وأول تلك الوقائع اختطاف تسعة صحفيين في يونيو 2015، وآخرها واقعة اعتقال الصحفي محمد المياحي) 2025م(، وبين الواقعتين سلسلة طويلة تتجاوز مئات القضايا التي أحيلت للمحاكمة بخلاف القضايا التي لم تصل أو الضحايا الذين لقوا حتفهم خلال مراحل الاحتجاز الطويلة، إضافة إلى ما يرافق تلك المراحل من حرمان من كل الحقوق الإنسانية والتعذيب الوحشي الذي رفضت المحاكم في أحيان كثيرة التحقيق في الوقائع الخاصة به.
وكل ذلك يتم على مرأى ومسمع من السلطة القضائية ،التي جُرِدت من ضمانات استقلالها وحياد قضاتها ،وأصبحت أداةً بيد سلطة الأمر الواقع التي أقصت القضاة المستقلين وعينت القضاة المحسوبين عليها على أساس عنصري أو حسب درجة الولاء لفكر الجماعة، وخصوصا في المحكمة الجزائية المتخصصة التي أصبحت في حكم السيف المسلط على ضحايا حق التعبير والصحافة، وتقوم بمحاكمات تفتقر لأدني مبادئ المحاكمة العادلة ولا تضمن فيها أيا من حقوق الدفاع الفعلية.
وتوصلت الدراسة إلى العديد من التوصيات المتعلقة بالجانب التشريعي بدءًا من تعديل نصوص الدستور المتعلقة بالحق في التعبير، ومع الإشارة إلى أهمية الأخذ بالاعتبار لما ورد في مسودة دستور اليمن الاتحادي )2014م( على اعتباره صياغة جديرة بتجسيد الحماية الفعلية للحق في التعبير ودسترة الحق في الإعلام وحماية الصحافة وضمان حق التعبير للشخص المعنوي والطفل ،وبما يتلاءم مع متطلبات الواقع اليمني وخصوصياته ،وكذلك التنصيص على مكانة الاتفاقيات الدولية في الهيكل التشريعي اليمني؛ لضمان آليات تفعيلها وطنيا، والمصادقة على بعض الاتفاقيات الدولية التي تعزز الدفاع عن الحق ،وإعادة إصدار العديد من القوانين المستجدة أو البديلة للقوانين مستوجبة الإلغاء مع الأخذ في الاعتبار بعض المشاريع القابلة للتطوير ومنها: مشروع قانون الصحافة والمطبوعات المعد من قبل لجنة صياغة بيروت )2010م(، ومشروع قانون الإعلام المرئي المسموع ،وإعادة النظر في اللوائح الخاصة بالإعلام والصحافة ونقابة الصحافيين، واستكمال النقص الحاصل في بعض القوانين المرتبطة بالحق، وإعادة الصياغة التشريعية لبعض النصوص التجريمية وفقا لمتطلبات مبدأ شرعية النص الجزائي؛ لعمق ارتباطه وتأثيره على منظومة الحقوق والحريات، واستحداث العديد من الآليات التنفيذية المرتبطة منها بحق التعبير أو استقلالية المؤسسات الإعلامية والصحافية أو المتعلقة بالحق في الحصول على المعلومة.
وفيما يتعلق بالجانب القضائي فضمان استقلالية السلطة القضائية يعد أمرا في غاية الأهمية؛ لتستطيع القيام بدورها في حماية الحقوق والحريات، والسعي للنأي بها عن الصراع السياسي أو استبداد السلطة التنفيذية، وفي المقابل التزامها بالقيام بدورها الحمائي لضحايا الانتهاكات منذ لحظة الاعتقال حتى لحظة الإفراج؛ فالقاضي المقصر في إسباغ الحماية على الضحايا مع علمه بالوقائع هو شريك بالجرم؛ ولأجل ذلك يتوجب على القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني كافة أن تتظافر جهودها وإن اختلفت توجهاتها السياسية أو الفكرية وأن تبذل كل جهودها لنشر وتوثيق كافة وقائع الانتهاكات أيا كان مرتكبها، وإطلاع الرأي العام على حقيقة ما يجرى، بما يسهم في تعرية الجناة، وخلق ثقافة مجتمعية تنتصر لحقوق الضحايا - خصوصا - أن حق التعبير لصيق بكل شخص في المجتمع، وكذا تبني الدعم القانوني للصحفيين والنشطاء وتوفير المساعدة القانونية للمعتقلين والدفاع عنهم أمام القضاء، ونشر الأحكام القضائية ودعم الدراسات المتخصصة بنقدها وبيان الانتهاكات التي تقع قبل المحاكمة أو خلالها .
وفيما يتعلق بالسلطة التنفيذية فلا بد من الوقف الفوري لممارسة الاعتقال التعسفي، والإختفاء القسري، والتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، والإفراج الفوري عن جميع الأشخاص المحتجزين تعسفياً في قضايا حرية التعبير، ونشر قوائم رسمية بالمحتجزين والمخفيين قسراً، وإتاحة وصول الوكالات الإنسانية إليهم وإعلام أهاليهم، والتحقيق في كافة حوادث التعذيب المبلغ عنها وفقاً للمعايير الدولية، واتخاذ تدابير فورية لمحاسبة المسؤولين وإيقاف أفراد قوات الأمن المتورطين في الانتهاكات، وتقديم الجناة للمحاكمة، وتوفير سُبل الإنصاف للضحايا.